محمد بن عمر التونسي
259
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
مهرجانا « 1 » عظيما ، هرع الناس للفرجة عليه . فأخبرني أنه كان من جملة المتفرّجين ، قال : بينما أنا واقف ، إذ جاءت أمّ السلطان ، ومعها سرب من النساء كأنّهن الغزلان ، وهي تمشى أمامهنّ ، وهنّ خلفها . وهي كانت جارية بشعة المنظر ، مشوّهة الخلق ، دنيّة الأصل ، لأنه لا يوجد في سكان دار الفور أدنى أصلا من البيقو الذين هي منهم . فصار كلّ من الواقفين يتعجّب من صنع اللّه تعالى ، أن قدّم هذه المرأة ، مع ما هي عليه من قبح الذّات والأصل ، على من هنّ أحسن وجها وأصلا ، وذاتا وبهاء وجمالا . قال : فدخلت على أخيها تيتل ، وكان وقت بنائه بعرسه ، فمكثت عنده برهة ثم خرجت . قال : فلم نشعر إلّا برنين الخلاخل والحلىّ وعبق الطّيب ، فعلمنا أنها خارجة فوقفنا صفّا ، حتى إذا خرجت لم أشعر بها إلّا وقد قبضت على يدي ، وجذبتنى للذّهاب معها . فأردت الامتناع ، وكأني تعاصيت ، فدفعني ( 236 ) النساء اللائي خلفها ، وكرهت أن يشعر الناس بذلك ، فمشيت معها محاذيا لها ، وهي بجانبي قابضة علىّ . فلما كنا في أثناء الطريق قالت : أنا تعبت - مع أنه لم يكن بين بيت أخيها وبيتها أكثر من مائة خطوة ، وقد بلغني أنها قبل اتصالها بالسلطان ، كانت من أقلّ الجواري المبتذلات للمهنة ، فكانت تأتى بالماء والحطب على رأسها من الخلاء ، والآن تتعب من مشى « 2 » مائة خطوة - قال ، فقلت لها : من كثرة ما عانيت في هذا اليوم . قال : ثم دخلنا الدار - والخصيان واقفون على الباب ، لا يجترئ أحد منهم أن يتكلم ، وقد عرفوني معها - فلمّا وصلت إلى حجرتها دخلت ، فدخلت معها ،
--> ( 1 ) بهذا الضبط في الأصل . ( 2 ) في الأصل : شى .